صحيفة ليبية شاملة
مقالات

معنى المقاومة الجماعية والتضحية الشخصية

بقلم موسى إبراهيم

في يوم 1 مارس، 2026 | بتوقيت 3:05 م

بقلم : موسى إبراهيم

استشهد الفقيه المسلم والقائد الثوري آية الله علي خامنئي ليلة البارحة في عدوانٍ أمريكي صهيوني مباشر، فسقط جسده وارتقى المعنى: معنى المقاومة الجماعية والتضحية الشخصية الكاملة. لم يكن استهدافه اغتيالاً لزعيمٍ استثنائي فحسب، بل محاولةً إمبريالية لقتل فكرة إن في هذه المنطقة المكلومة من يجرؤ على كسر الهيمنة الأمريكية، ورفض شروطها. أراد العدو أن يثبت أن القرار السيادي يمكن أن يُسحق بالصواريخ، غير أن ما أعلنه في الحقيقة هو أن المواجهة بلغت ذروتها، وأن الحرب لم تعد نزاعاً سياسياً عابراً، بل صراعاً وجودياً على هوية أمة ومستقبلها.

إيران اليوم، يا سادة، ليست مجرد دولة إقليمية تحت الضغط الأمريكي، بل هي سؤال حي يتعلق بنا جميعاً: هل يمكن لشعب في قلب النظام الدولي أن يرفض الهيمنة الغربية، ويدفع الثمن دون أن يركع؟ العقوبات والحصار والاغتيالات ليست هنا “أدوات ردع” فقط، بل وسائل لإعادة صياغة وعي الشعوب. المطلوب إذن يا أيها العرب ليس “تعديل سلوك”، بل كسر إرادة الحياة نفسها – إرادة التحرير والوحدة.

غير أن تاريخنا العربي الإسلامي لم يكتب يوماً الخضوع والانكسار. من عمر المختار في ليبيا، إلى الإمام المهدي في السودان، إلى يوسف العظمة في ميسلون، إلى عبد القادر الجزائري، إلى عبد الكريم الخطابي في جبال الريف، تتشكل سلسلة واحدة من الوعي المقاوم. في هذه السلسلة لا نقيس القوة بعدد الطائرات والصواريخ والمسيرّات، بل بقدرة الناس أنفسهم على تحويل الوجع والموت إلى طاقة تحرير متواصلة.

استشهاد خامنئي ليس نهاية مسار ثوري، بل تكثيفٌ له. كما لم تنتهِ تجربة المختار على المشنقة، ولا انطفأت شعلة المهدي بعد المعارك، فإن الدم المسفوك لا يغلق التاريخ بل يفتحه على كل الاحتمالات. الإمبراطوريات تراهن على أن إسقاط الرأس يُربك الجسد، لكن الجسد الذي يتغذى على فكرة الوحدة والتحرير سيعيد إنتاج قياداته من عمقه الشعبي الشاسع.

في مشهد البارحة المأساوي يلتقي العروبي والإسلامي في معنى واحد، أن المقاومة وجودية، وأن الوحدة شرط بقاء. شيعة اليوم في لبنان واليمن وإيران، وأهل السنة في فلسطين 2023 أو ليبيا 2011 وقبلهم مصر 1956، لم يؤسسوا لتحالف مذهبي، بل لصفٍ واحد ومنهج واحد عنوانه تحرير الأرض قبل كل اعتبار. حين تكون الكرامة هي المثابة، تسقط أوهام الكيانية الضيقة والتنمية المأمولة تحت حكم العلوج.

المعلم عبد الناصر أعلن أن القرار الوطني ليس بنداً في دفتر سفارة، والشهيد القذافي رفض أن تتحول الدولة القزمية إلى وكيل وظيفي في منظومة الغرب. في هذا الامتداد نقرأ إيران، لا كبديل عن العرب، بل كشريك حقيقي في معركة كسر التبعية.

العدوان الغربي إذن لا يستهدف برنامجاً نووياً أو اتفاقاً تجارياً، بل يستهدف الوعي ذاته. يريد إقناع شعوبنا أن لا بديل عن الاندماج الاقتصادي الخاضع لهم . لكن في الحقيقة إن البديل عن المقاومة والوحدة والتحرير ليس الاستقرار أو التنمية، بل الانهيار الكامل، تفكيك الهوية، مصادرة المصالح الحيوية، وتحويل مجتمعاتنا إلى أسواق بلا روح.

الهيمنة لا تكتفي بالطاعة السياسية، بل تمتد إلى الخبز واللغة والعقيدة والذاكرة.

المعركة، أيها الإخوة، معرفية بقدر ما هي عسكرية. يريدون تصوير المقاومة كعبء على الشعوب وقادتها، بينما هي في الحقيقة ثقافة حياة، وسيادة اقتصادية، ومعرفة مستقلة، وعدالة اجتماعية تمنح الناس سبباً للدفاع عن أوطانهم. المقاومة ليست حالة طوارئ، بل خيار وجود.

وتذكروا أننا لسنا وحدنا. نحن جزء من مقاومة الجنوب العالمي للهيمنة الغربية. تصعد الصين باستقلالها الاقتصادي والتكنولوجي، وتتحرك البرازيل لإعادة تعريف موقعها، وتستعيد جنوب أفريقيا خطاب العدالة، ويواجه الاتحاد الروسي تمدد الأطلسي. عالم جديد يتشكل على أنقاض الأحادية الغربية، وما يجري من تضحيات ومواجهة في منطقتنا هو جزء من حركة أممية أوسع لإعادة كتابة ميزان القوة.

في هذا السياق تصبح فلسطين وإيران ولبنان واليمن نقاط تماس في معركة عالمية على العدالة. الرسالة التي يبعث بها الأمريكان بالصواريخ موجهةٌ لكل من يرفض الطابور. لكن الدرس الذي تركه المختار والمهدي والعظمة وعبد القادر والخطابي واضح، الاستقلال يُنتزع ولا يُهدى، والوحدة ضرورة، والمقاومة قدر من يريد أن يبقى.

استشهاد خامنئي ليس خاتمة، بل فاصلة في جملة طويلة من الصراع. طالما بقي في هذه الأمة من يؤمن أن الأرض ليست سلعة سوقية، وأن السيادة ليست تفصيلاً دستورياً، فإن مسار المقاومة سيستمر، لأن البديل بالنسبة لنا ليس سلاماً ورخاء وتنمية، بل محواً كاملاً للذات العربية المسلمة.