
هالة شيحة
في خضم المنافسة العالمية المحتدمة على جذب الاستثمارات السياحية، يمضي المغرب بخطى واثقة ومدروسة، معززاً موقعه كوجهة مفضلة لدى كبار الفاعلين الدوليين.
سنة بعد أخرى، تتوالى إعلانات دخول العلامات الفندقية العالمية إلى السوق المغربية، في تأكيد واضح على جاذبية المملكة.
غير أن هذه الدينامية، التي قد لا تكون ظاهرة للعموم، تستند إلى عمل استراتيجي عميق تقوده جهة محورية: الشركة المغربية للهندسة السياحية.
فهنا، لا يُترك شيء للصدفة. فبدلاً من الاكتفاء بالمقاربة الترويجية التقليدية، اعتمد المغرب استراتيجية استباقية دقيقة، لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تسعى إلى الإقناع….
دبلوماسية اقتصادية موجهة :
من برلين إلى دبي ولوس أنجلوس، وفي أروقة كبرى المنتديات الدولية للاستثمار السياحي، لا تكتفي الفرق المغربية بعرض مؤهلات الوجهة، بل تقدم مشاريع ملموسة، مدعومة بالأرقام وفرص استثمارية جاهزة.
في المقابل، يجلس صناع القرار من كبريات السلاسل الفندقية، وصناديق الاستثمار، والمكاتب العائلية. حوار مباشر، منظم، يبدأ غالباً قبل هذه التظاهرات ويستمر بعدها، في إطار علاقة مستمرة تكاد تكون مصممة على المقاس، تحرص هذه المؤسسة العمومية على بنائها مع الشركاء الدوليين.
من المجال الترابي إلى منتج استثماري :
في الوقت الذي تجد فيه العديد من الوجهات صعوبة في تحويل إمكاناتها إلى مشاريع ملموسة، استطاع المغرب أن يحقق تقدماً لافتاً. فكل موقع، وكل جهة، وكل منتج سياحي يتم تصميمه كـ فرصة استثمارية متكاملة.
دراسات سوق دقيقة، تصور فندقي واضح، وعاء عقاري مؤمّن، وتوقعات مالية مدروسة… كل شيء يتم الإعداد له مسبقاً. لم يعد المستثمر أمام صفحة بيضاء، بل أمام مشروع جاهز، واضح وقابل للتمويل والتنفيذ.
هذه القدرة على “تأطير” العرض وتحويله إلى منتج استثماري تشكل أحد أبرز عناصر قوة النموذج المغربي.
تقليص المخاطر وتسريع القرار بالنسبة لكبرى المجموعات الدولية، يظل الاستثمار في وجهة جديدة رهانا محفوفاً بالتحديات: تعقيدات إدارية، إشكالات عقارية، وآجال طويلة.
وهنا بالضبط تتدخل هذه المؤسسة، عبر لعب دور الميسر: تنسيق مع مختلف المتدخلين، مواكبة المستثمرين، وتحسين جاذبية المجالات الترابية. الهدف واضح: تقليص الاحتكاك، تأمين المشاريع، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار.
والنتيجة: قرارات استثمارية أسرع، وثقة متزايدة في السوق المغربية.
دور جامع ومُهيكل للمشاريع لا يقتصر دور الشركة المغربية للهندسة السياحية على الترويج والتيسير، بل يمتد إلى لعب دور “المُجَمِّع”، حيث تجمع حول نفس الطاولة مختلف الأطراف الضرورية لإنجاح المشاريع: المستثمرين، العلامات الدولية و ملاك العقار.
وفي قطاع تتسم تركيبته بالتعقيد، تمثل هذه القدرة على هيكلة شراكات قوية عاملاً حاسماً، يحول النوايا إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
استراتيجية قائمة على المدى الطويل بعيداً عن منطق الفرص الظرفية، يعتمد المغرب مقاربة قائمة على الاستمرارية والرؤية بعيدة المدى. فهو يواكب استراتيجيات توسع المجموعات الدولية، يستبق احتياجاتها، ويتموقع في التوقيت المناسب.
هذا الحضور المستمر، وإن كان هادئاً، يعزز صورة المغرب كوجهة موثوقة وقادرة على استقطاب استثمارات نوعية.
قوة الرؤية الاستراتيجية تستند هذه الدينامية إلى رؤية وطنية واضحة: الارتقاء بجودة العرض، تنويع التجارب السياحية، وفتح وجهات جديدة. وهي عناصر تمنح المستثمرين وضوحاً استراتيجياً نادراً في قطاع يتسم غالباً بعدم اليقين.
نموذج متفرد في المحصلة، تكمن قوة المغرب في هذا النموذج الهجين، الذي يجمع بين الهندسة السياحية واحترافية التفاوض على فرصة استثمارية. فلم تعد الشركة المغربية للهندسة السياحية مجرد فاعل ترويجي، بل أصبحت لاعباً استراتيجياً قادراً على تحويل الإمكانات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى واقع ملموس.
وفي عالم تزداد فيه انتقائية المستثمرين والعلامات الدولية، يبدو أن هذا النموذج هو ما سيمنح المغرب أفضلية تنافسية مستدامة.



