
هالة شيحة
شدد الامين العام لجامعة الدول العربية احمد ابو الغيط على ضرورة تعزيز الجهود العربية الرامية لتحقيق التنمية المستدامة، باعتبارها الخيار الاستراتيجي الأمثل لصون الموارد، وتعزيز ازدهار المجتمعات، وضمان مستقبل آمن ومستدام للمنطقة العربية.
جاء ذلك في كلمته امام الاحتفال بيوم الاستدامة العربي
الذي نظمته الجامعة العربية اليوم بحضور عدد كبير من المسؤولين بالدول العربية .
وقال ابو الغيط إن يوم الاستدامة العربي ليس مناسبة رمزية فحسب، بل حجر زاوية لمراجعة سير العمل التنموي والخيارات المستقبلية… يوم الاستدامة العربي بمثابة نداء ودعوة للانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق المبادرة… ومن إدارة التحديات إلى استباقها والتعامل معها من موقع المبادرة والفعل… هو نداءٌ يذكرنا جميعاً بالعمل نحو فتح آفاق التميز، وإطلاق طاقات الإبداع، وتوطيد ثقافة عربية راسخة في التفكير الابتكاري وصناعة المستقبل.
وأوضح ان هذا الاحتفاء يحمل في عامنا الحالي وقعًا خاصًا بالنسبة لي… إذ يتزامن مع قرب انتهاء مدة ولايتي أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية مع نهاية شهر يونيو القادم… وهي مسيرة امتدت لعشر سنوات، تشرفت خلالها بخدمة منظومة العمل العربي المشترك، في مرحلة لم تخلُ من تحديات جسام وتعقيدات متداخلة فرضت نفسها على المنطقة العربية… وكان لها تأثيراتها من دون شك على جهود تحقيق التنمية المستدامة.
وبرغم ما اكتنف تلك السنوات من صعوبات، فقد حرصت، بكل ما أُتيح لي من جهد وإمكان، على الإسهام في دفع مسارات العمل العربي الاقتصادي والاجتماعي والتنموي المشترك، من منظور يجعل من الاستدامة نهجًا، ومن الإنسان العربي محورًا وغاية، ومن الارتقاء بجودة الحياة هدفاً غالياً نعمل له، وندفع إليه، وننطلق منه في كل جهدنا وسعينا.
ولفت إلى أن الفترة الممتدة من 2016 إلى 2026 قد شكّلت مرحلة مفصلية في مسيرة العمل العربي المشترك في مجال الاستدامة، حيث أُطلقت خلالها مبادرات ومشروعات متعددة… أسهمت في ترسيخ مفهوم الاستدامة ودمجه تدريجيًا في السياسات والخطط، سواء على مستوى العمل العربي المشترك أو على المستوى الوطني في الدول الأعضاء، وهو جهدٌ تراكمي تشَاركَت في صناعته الإرادات العربية والمؤسسات المعنية على حد سواء.
ونبه ابو الغيط إلى أن تدهور الأوضاع الإنسانية لا زال يفرض نفسه بوصفه أحد أخطر التحديات الملحّة التي تواجه عددًا من الدول العربية… من أهوال المآسي الإنسانية المتواصلة في غزة، وما يرافقها من قتل وحصار حتى يومنا هذا وبرغم وقف إطلاق النار… إلى ويلات الحرب في السودان وما خلّفته من انقطاع ملايين الأطفال عن التعليم لسنوات… فضلًا عن الأزمات المركّبة والممتدة لسنوات عديدة في اليمن والصومال. وهي أزمات لا تختصر معاناة الحاضر فحسب، بل تُنذر بتقويض مستقبل أجيال كاملة… فقدت فرصتها في العيش الطبيعي، وحقها في التكوين والتعليم والرعاية.
ومع ذلك، فإن جسامة الأزمات لا ينبغي أن تكون ذريعة للحيد عن مسار التنمية المستدامة؛ فالتعليم لا يجب أن يتوقف… والمياه لا ينبغي أن تُقطع… والرعاية الصحية لا يمكن أن تُغيَّب… فالتنمية في زمن الأزمات ليست ترفًا مؤجلًا، بل شرطٌ للبقاء، وأساسٌ لبناء السلام واستعادة الاستقرار… وأنظر – بكل إجلال – إلى تجارب رائعة وبطولية لاستئناف التعليم في غزة تحت الحصار والضرب، وبأبسط الإمكانيات وأضعف القدرات.
من هذا المنطلق، فإن التصدي للأزمات الإنسانية، والتخفيف من وطأتها على الإنسان العربي، يجب أن يتصدر أولويات العمل الاجتماعي والتنموي في مرحلتنا الراهنة، وأن يشكّل مبدأً حاكمًا لجهود التخطيط، وصياغة السياسات، وتنفيذ البرامج التنموية على امتداد عالمنا العربي.
ودعا ابو الغيط إلى ضرورة الإسهام في تفعيل تطبيق “الرؤية العربية 2045” التي أقرتها الدورة الخامسة من القمة العربية التنموية التي عقدت في بغداد في العام الماضي، بمحاورها الستة الرئيسية وهي: الأمن والأمان، العدل والعدالة، الابتكار والإبداع، الازدهار والتنمية المتوازنة، التنوع والحيوية، التجدد الثقافي والحضاري… باعتبارها رؤية تستشرف التحديات وتحولها إلى فرص، وتؤسس لمسار تنموي يضمن للأجيال القادمة الاستقرار والازدهار.
واوصى ابو الغيط بالشباب العرب موضحا انهم ليسوا فقط عماد المستقبل، بل شركاء الحاضر وصنّاع التغيير، ودورهم مركزي ولا غنى عنه في تحقيق التنمية المستدامة… فلنغرس فيهم روح التفاؤل والعمل والأمل… ولنفتح أمامهم آفاق المبادرة والمشاركة… ولنستثمر في طاقاتهم الخلّاقة، وقدرتهم على الابتكار والإبداع، ليكونوا في طليعة من يواجه التحديات، وينتزع الفرص، ويحوّل الطموحات إلى إنجازات ملموسة.



