صحيفة ليبية شاملة
الدوليةالعربية

السفير عمرو الجويلي: كتابات الدبلوماسيين تحولت إلى أداة فاعلة للدبلوماسية العامة في العصر الرقمي

في يوم 2 أبريل، 2026 | بتوقيت 9:17 م

 

هالة شيحة

أكد السفير عمرو الجويلي مدير مديرية منظمات المواطنين وأفارقة الشتات بمفوضية الاتحاد الأفريقي أن مفهوم “الدبلوماسية العامة” بات يكتسب أهمية متزايدة في العلاقات الدولية المعاصرة، في ظل التحولات التي فرضها العصر الرقمي وتعدد الفاعلين، مشيرًا إلى أن كتابات الدبلوماسيين المنشورة أصبحت تمثل أحد أبرز أدوات هذا النوع من الدبلوماسية، سواء في صورتها الرسمية المرتبطة بالمؤسسات الحكومية أو في شكلها الأوسع الذي يندرج ضمن ما يُعرف بـ”الدبلوماسية العامة الجديدة”.
وأوضح الجويلي، في مقال نشره مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الدبلوماسية العامة تختلف عن الدبلوماسية التقليدية من حيث طبيعة الجمهور المستهدف وآليات التواصل، إذ تركز الدبلوماسية العامة في جوهرها على التواصل مع الجمهور أيا كان تعريفه، بينما تعتمد الدبلوماسية التقليدية على قنوات الاتصال بين الحكومات، والتي غالبًا ما تتم في نطاق مغلق بعيدًا عن وسائل الإعلام والرأي العام.
وأشار إلى أن تعريف الدبلوماسية العامة شهد تطورًا ملحوظًا بين اتجاه “تقييدي” يحصرها في نشاط حكومي موجه إلى الجمهور الخارجي لخدمة المصلحة الوطنية، واتجاه “أوسع” يضم جميع أشكال التواصل العام بين الجهات الفاعلة في المجتمعات المختلفة، بما يشمل الجهات الحكومية وغير الحكومية عبر الحدود، معتبرًا أن هذا المنظور الواسع بات الأكثر منطقية في ظل تعدد الفاعلين في العلاقات الدولية اليوم.
ولفت السفير الجويلي إلى أن كتابات الدبلوماسيين، بحكم كونها موجهة لجمهور مفتوح، تعد في حد ذاتها شكلا من أشكال الدبلوماسية العامة، لما لها من تأثير مباشر في تشكيل الرأي العام، موضحًا أن هذا المفهوم ارتبط تاريخيًا في بداياته بتوصيفات متباينة وصلت إلى حد تشبيهه بالدعاية أو “البروباجندا”.
واعتمد الجويلي في تحليله على نموذج “لاسويل للاتصالات” القائم على معادلة: “من يقول ماذا، عبر أي قناة، لمن، وبأي تأثير”، مؤكدًا أن فهم دور كتابات الدبلوماسيين يتطلب دراسة الرسالة والوسيلة والجمهور المستهدف والتأثير المحتمل.
وأوضح أن التطورات الحديثة في وسائل الإعلام الجديدة أدت إلى تقليص قدرة الدول على الإدارة المركزية للدبلوماسية العامة، بعدما أتاحت التكنولوجيا والإنترنت المجال أمام الجهات غير الحكومية للتواصل المتزايد مع الجماهير الخارجية، وهو ما أدى إلى اتساع نطاق الدبلوماسية العامة خارج الإطار الرسمي.
وأكد أن كتابات الدبلوماسيين المنشورة يمكن تصنيفها ضمن “الدبلوماسية العامة الحكومية” إذا كانت صادرة باسم المؤسسة الرسمية أو موقعة بالصفة الوظيفية للدبلوماسي بما يعكس موقف الدولة، مشيرًا إلى أن ذلك يظهر بصورة أوضح في مقالات الرأي أو الرسائل المنشورة في الصحف، والتي تحمل توقيع الدبلوماسي باسمه الرسمي.
وأضاف أن بعض المنشورات الرسمية طويلة الشكل مثل التقارير والكتيبات غالبًا لا تُنسب لأسماء المؤلفين، غير أنه إذا اقترنت باسم الدبلوماسي أو صدرت بلغة غير اللغة الوطنية، فإن ذلك يعكس بوضوح نية مخاطبة جمهور خارجي ويعزز اعتبارها أداة للدبلوماسية العامة الرسمية.
وفي المقابل، أشار مدير مديرية منظمات المواطنين وأفارقة الشتات بمفوضية الاتحاد الأفريقي إلى أن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ينشر الدبلوماسي العامل كتاباته “بصفته الشخصية”، دون الإشارة إلى منصبه الرسمي أو دون تضمين تنويه يفيد بأن الآراء لا تعبر عن جهة عمله، موضحًا أن هذا النوع من النشر لا يندرج ضمن التعريف الضيق للدبلوماسية العامة، لكنه يمثل بامتياز نموذجًا لـ”الدبلوماسية العامة الجديدة” إذا تم تبني التعريف الأوسع الذي يشمل مختلف أشكال التفاعل عبر الحدود.
كما تناول الجويلي حالة النشر باللغة الوطنية والموجه للجمهور المحلي، موضحًا أن هناك اتجاهًا متناميًا داخل وزارات الخارجية لإعلام الجمهور الوطني وتفسير طبيعة مهامها الخارجية دفاعًا عن المصالح الوطنية، وأحيانًا في سياق دعم موازناتها أمام السلطة التشريعية، مؤكدًا أن هذا الدور يجعل من الممكن تصنيف الكتابات المحلية أيضًا ضمن الدبلوماسية العامة إذا تم اعتماد التعريف الأكثر شمولًا.
وأشار إلى أن مفهوم “نفاذية الحدود” في عصر تدفق الأفكار والمعلومات يجعل أي محتوى منشور قابلًا للوصول عالميًا، لاسيما مع تطور أدوات الترجمة الآلية، بما يقلل من أهمية معيار اللغة الأصلية في تحديد جمهور القراء.
وفي تحليله للعلاقة بين الوسيلة والجمهور، أكد السفير الجويلي أن طبيعة الوسيلة الإعلامية المستخدمة تحدد حجم التأثير وفعالية التفاعل العام، لافتًا إلى أن الكتب والمقالات الأكاديمية غالبًا ما تخاطب جمهورًا متخصصًا، إلا أن تأثيرها قد يكون بالغًا إذا وصل إلى دوائر صنع القرار أو ارتبط بدوريات معروفة بمتابعتها داخل الأوساط السياسية.
وضرب مثالًا بالدوريات الأمريكية مثل “فورين بوليسي” و”فورين أفيرز” باعتبارها نماذج لمنصات قد تمنح الكتابات تأثيرًا كبيرًا يتجاوز نطاق الجمهور العام.
وأوضح أن التأثير يرتبط كذلك بهدف النشر، سواء كان “معتمدًا” من الحكومة أو نابعًا من دافع شخصي، مشيرًا إلى أن المنشورات الرسمية تكون مصممة لإحداث تأثير مباشر عبر إعلان الصفة الرسمية للكاتب، بينما قد تبدو المنشورات الشخصية أقل وضوحًا في نواياها، لكنها قد تترتب عليها آثار غير مقصودة في العلاقات الدبلوماسية.
كما أشار إلى احتمال أن يكون السماح بالنشر “بصفة شخصية” للدبلوماسيين العاملين جزءًا من مقاربة شبيهة بـ”دبلوماسية المسار 1.5”، حيث يسمح للمسؤولين بالمشاركة في تفاعلات غير رسمية لا تُنسب فيها المواقف للحكومات، بما يتيح اختبار أفكار جديدة وممارسة قدر من المرونة التفاوضية دون الالتزام بالمواقف الرسمية.
وأكد السفير عمرو الجويلي أن تطبيق نموذج “لاسويل” على كتابات الدبلوماسيين يوضح بجلاء أبعاد العلاقة بين الدبلوماسية العامة الرسمية والدبلوماسية العامة الجديدة، ويكشف عن التشابك المتزايد بين الصفة الشخصية والتمثيل الرسمي في المجال العام، خصوصًا مع تصاعد استخدام الدبلوماسيين لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن تزايد اعتماد الدبلوماسيين على منصات التواصل جعل من الصعب تصنيف المحتوى المنشور باعتباره رسميًا بشكل كامل، خاصة مع انتشار ظاهرة إخلاء المسؤولية التي تشير إلى أن الآراء تعبر عن أصحابها، معتبرًا أن ذلك يعكس مفارقة العصر الرقمي: إذ أصبح الدبلوماسي أكثر حضورًا في المجال العام بصفته الرسمية، وفي الوقت ذاته أصبح جزء متزايد من هذا الحضور يُنظر إليه باعتباره نشاطًا شخصيًا لا رسميًا.