
هالة شيحة
دعت دراسة أعدّتها المستشارة نجاة امرابي إلى تبني مقاربة عربية شاملة للتعامل مع تحولات الهوية الرقمية، تقوم على إدماج البعد الثقافي في السياسات الرقمية، مع التأكيد على أن التكنولوجيا لم تعد أداة محايدة، بل فاعل مؤثر في تشكيل الوعي والهويات. كما شددت على ضرورة تطوير استراتيجيات إعلامية عربية رقمية قادرة على إنتاج محتوى يعكس الخصوصية الثقافية، مع الحفاظ على جاذبية الشكل الرقمي المعاصر، بما يضمن حضورًا فاعلًا في الفضاء العالمي دون الذوبان فيه.
جاء ذلك في ورقة بحثية قدمتها المستشارة نجاة امرابي لاعمال الندوة الفكرية رفيعة المستوى التي نظمها قطاع الاعلام والاتصال بالجامعة العربية “ادارة البحوث والدراسات الاستراتيجية، بعنوان: “انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة تكاملية”
وأكدت الدراسة أهمية تعزيز
برامج التوعية الرقمية، خاصة لدى الشباب، لفهم آليات عمل الخوارزميات وتأثيرها على تشكيل الهوية، إلى جانب دعم البحث العلمي العربي في مجالات الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، وربط مخرجاته بصنّاع القرار. كما دعت إلى تشجيع التعاون العربي المشترك لتطوير منصات رقمية ومبادرات ثقافية عابرة للحدود، فضلًا عن إدماج البعد الأخلاقي في استخدامات الذكاء الاصطناعي من خلال أطر تنظيمية تحمي الخصوصية وتحد من التلاعب بالهويات.
تحولات متسارعة تعيد تشكيل الهوية
وترصد الدراسة تحولات متسارعة في بنية الاتصال الإنساني بفعل التقدم التكنولوجي في مجالات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مفهوم الهوية، التي لم تعد معطىً ثابتًا أو انعكاسًا للانتماءات التقليدية، بل أصبحت بناءً ديناميكيًا يتشكل في سياق رقمي مفتوح تتداخل فيه الأبعاد الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أهمية تحليل تحولات الهوية في البيئة الرقمية، خاصة في العالم العربي، الذي يواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في ضرورة الانخراط في التحولات الرقمية العالمية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والحضارية، مع السعي لاستشراف مستقبل الهوية خلال العقد القادم وتقديم توصيات عملية تدعم صانع القرار.
الإطار النظري: التماس المعلومات والهوية
وتستند الدراسة إلى نظرية التماس المعلومات بوصفها إطارًا تفسيريًا لفهم السلوك الاتصالي، حيث يسعى الأفراد إلى البحث النشط عن المعلومات بما يتوافق مع احتياجاتهم وتصوراتهم الذاتية. وفي سياق الهوية الرقمية، لم يعد الفرد يعتمد على مصادر تقليدية، بل يلجأ إلى فضاءات رقمية متعددة ينتقي منها ما يعزز صورته الذاتية، لتصبح الهوية نتاجًا مستمرًا لعمليات البحث والاختيار وإعادة التشكيل.
كما تفسر النظرية ظاهرة “الانتقائية المعلوماتية” التي تفضي إلى تكوين “فقاعات معرفية”، يتعرض فيها الفرد لأنماط فكرية متكررة، ما قد يجعل الهوية أكثر انغلاقًا أو تطرفًا.
تفكك الهوية التقليدية وصعود الرقمية
وتوضح الدراسة أن الهوية لم تعد بنية ثابتة تستند إلى اللغة أو الدين أو الجغرافيا، بل أصبحت بنية ديناميكية تتشكل داخل فضاء رقمي متغير، في ظل ما يُعرف بـ”مجتمع الشبكة”. ولم تعد الهوية معطىً جاهزًا، بل مشروعًا مفتوحًا يتشكل عبر التفاعل والمحتوى والتمثيلات الذاتية.
كما أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تفكيك الهويات المحلية والقومية، مع بروز فضاء رمزي عابر للثقافات، انعكس في تغير أنماط اللغة والذوق وأنماط الاستهلاك الثقافي، خاصة لدى الشباب.
هوية عابرة للحدود وتحديات الخصوصية
وتشير الدراسة إلى أن العولمة الرقمية أفرزت هوية “عابرة للحدود”، تتشكل من خلال التفاعلات العالمية، ما أدى إلى ظهور هويات هجينة تجمع بين المحلي والعالمي. غير أن هذا التحول يطرح تحديات تتعلق بفقدان الخصوصية الثقافية وذوبان الهوية الوطنية، في ظل احتمالات الهيمنة الثقافية للنماذج العالمية.
تعدد داخل الهوية الرقمية
وتبرز الدراسة أن الهوية الرقمية تتسم بتعدد مستوياتها، حيث يمكن للفرد تقديم أكثر من تمثيل ذاتي وفقًا للسياق والمنصة، ما يعكس مرونة في التعبير، لكنه قد يؤدي إلى التشتت أو التناقض الداخلي، فضلًا عن إشكاليات مثل ازدواجية الهوية أو الهوية المصطنعة.
الأفراد يقودون تشكيل الهوية
وتؤكد الدراسة انتقال مركز تشكيل الهوية من المؤسسات إلى الأفراد، الذين أصبحوا يمتلكون أدوات إنتاج هوياتهم وإدارتها، عبر المنصات الرقمية. ومع هذه الحرية، تبرز مسؤوليات جديدة تتعلق بإدارة السمعة الرقمية وحماية الخصوصية والتعامل مع التحديات الأخلاقية.
استشراف المستقبل: هوية بياناتية وهجينة
وتتوقع الدراسة أن يتحول مفهوم الهوية خلال العقد القادم إلى بنية رقمية هجينة، تنتقل من كونها تمثيلًا تعبيريًا إلى “نظام بياناتي” يعتمد على البيانات السلوكية والتحليلات الخوارزمية، مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في توجيه الهوية.
كما تشير إلى بروز “الهوية الممتدة” عبر تداخل العوالم الواقعية والافتراضية، إلى جانب تصاعد “فقاعات الهوية” نتيجة البحث الانتقائي عن المعلومات.
سيناريوهات مستقبلية :
وتطرح الدراسة ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الهوية:
* ذوبان هوياتي لصالح هوية رقمية كونية
* مقاومة وتكيّف عبر تعزيز الخصوصية الثقافية
* هوية هجينة متوازنة تجمع بين المحلي والعالمي
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل الهوية في العالم العربي مرهون بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الانخراط في التحول الرقمي والحفاظ على الخصوصية الثقافية، في ظل تداخل متزايد بين الإنسان والتكنولوجيا .



