
هالة شيحة
قالت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي والهجرة، إن الأزمة في السودان كشفت ما وصفته بـ”انتقائية واضحة” في تطبيق معايير القانون الدولي، منتقدة تجاهل المجتمع الدولي للجانب الإنساني للأزمة، التي تُعد من أسوأ الأزمات التي واجهتها البشرية في العصر الحديث.
وأضافت، خلال مشاركتها في حلقة من EJIL: The Podcast التابعة لمجلة European Journal of International Law، تحت عنوان التي حملت عنوان “هل لدى القانون الدولي ما يقوله بشأن السودان؟” (Is there anything international law can say about Sudan?) أن ما يجري في السودان “ليس مجرد مأساة إنسانية، بل انتهاكات جسيمة وممنهجة للقانون الدولي الإنساني”، تقتضي التوصل إلى اتفاق سلام، ثم محاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوداني.

ورأت نجم أن النزاع في السودان يُصنّف قانونيًا باعتباره “نزاعًا مسلحًا غير دولي”، رغم انخراط أطراف خارجية تسهم بالسلاح والمرتزقة في تأجيج الصراع وتعميق الكارثة الإنسانية التي لحقت بالمدنيين.
وأوضحت أن القانون الدولي لا يتعامل بصورة مباشرة وفعالة مع حروب الوكالة لمعاقبة الدول التي تتدخل في النزاعات الداخلية بما يؤدي إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، مشددة في الوقت نفسه على أن قواعد القانون الدولي تُلزم جميع الدول بعدم إمداد أي طرف متحارب بأسلحة يُحتمل استخدامها في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وأضافت أن هذه الإشكالية باتت تتطلب مراجعة جادة بعد ما جرى في السودان وما حدث في غزة، موضحة أن المجتمع الدولي يركز غالبًا على محاسبة أطراف النزاع المباشرين، بينما يتجاهل الأطراف التي دعمتهم وساعدتهم لتحقيق مصالحها، رغم علمها باستهداف المدنيين وانتهاك قواعد القانون.

وفيما يتعلق بوصول المساعدات الإنسانية، أكدت السفيرة أنه لا يحق لأي طرف متحارب منع وصول الغذاء والدواء إلى ملايين المدنيين تحت أي ذريعة، لأن القانون الدولي يُجرّم استخدام التجويع كأداة من أدوات الحرب.
وأضافت أن الحرب في السودان تسببت في أزمة نزوح داخلي غير مسبوقة، إذ يتراوح عدد النازحين واللاجئين بين 10 و12 مليون شخص، من بينهم أكثر من 9 ملايين نازح داخليًا، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا منهم سيواجه أزمة في إثبات الهوية والملكية، خاصة من أُحرقت منازلهم أو دُمّرت، وغادروها من دون وثائق رسمية تثبت هويتهم أو ملكيتهم لأراضيهم ومنازلهم.
وشددت على أن هذه الإشكاليات يجب التنبه إليها من الآن، حتى لا تتفاقم النزاعات مجددًا عند عودة السكان إلى قراهم ومناطقهم الأصلية.
وركزت نجم على أن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق السلام والاستقرار، ثم الانتقال إلى مسار العدالة الجنائية من دون منح أي طرف حصانة من المحاسبة.
وأشارت إلى أنه، وفقًا لقواعد القانون الدولي، لا يمكن توسيع نطاق الولاية القضائية لـمحكمة العدل الدولية في دعوى دارفور لتشمل الجرائم الراهنة في مختلف أنحاء السودان.
وأضافت أنه من الناحية الواقعية لا يمكن التحقق من الإرادة الحقيقية للشعب السوداني بشأن شكل العدالة الذي يريده — سواء عبر محاكم مختلطة أو هجينة أو آليات عرفية — إلا بعد تحقيق السلام والاستقرار، وإجراء انتخابات، ثم استفتاء شعبي على هذا المسار، وإلا فإن قلة محدودة ستقرر نيابة عن شعب كامل، وهو ما يصعب قبوله إذا كان الهدف تحقيق استقرار حقيقي في السودان.
وشارك في النقاش إلى جانبها كل من خلود خير، مديرة مؤسسة Confluence Advisory، التي تناولت تداعيات الصراع على بنية الدولة السودانية، ومهند النور، محامي حقوقي سوداني بارز وعضو في نقابة محامي دارفور متخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، وعمل لسنوات على توثيق الانتهاكات والدفاع عن المعتقلين السياسيين والنشطاء في السودان.
وأدارت الحوار البروفيسورة سارة نوين، أستاذة القانون الدولي في معهد الجامعة الأوروبية (EUI) في فلورنسا، ، وزميلة جامعة كامبريدج، و مؤلفة الكتاب المرجعي “التكامل في خط النار: المحكمة الجنائية الدولية في السودان وأوغندا” (Complementarity in the Line of Fire). وهي باحثة متخصصة في الشأن السوداني و قضت سنوات في دراسة كيفية تفاعل القانون الدولي مع الواقع السياسي على الأرض في السودان.
وتُعد منصة EJIL: The Podcast التابعة لمجلة European Journal of International Law من أبرز المنابر المتخصصة في القانون الدولي، حيث تقدم نقاشات تجمع بين التحليل النظري والتطبيق العملي، وتسلط الضوء على القضايا الدولية من منظور قانوني معمق، ما يجعل هذه الحلقة مرجعًا مهمًا لفهم أبعاد الأزمة السودانية في السياق الدولي.



