
هالة شيحة
قالت السفيرة د. نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي والهجرة ومديرة المرصد الأفريقي للهجرة أن نقل مواطني دول ثالثة إلى بلدان لا يرغبون في الاستقرار فيها، وفي الوقت نفسه لا يرغب سكانها في استقبالهم، يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هؤلاء الأشخاص ومستقبل المجتمعات المستقبلة لهم، فضلًا عن التداعيات الاجتماعية والإنسانية المترتبة على ذلك. وفي هذا السياق، تساءلت عن مدى استدامة هذه الحلول المطروحة حاليًا من بعض الدول الأوربية و توافقها وعدم تعارضها مع القواعد والمواثيق و الاتفاقات الدولية التى تنظم حقوق الانسان .
جاء ذلك في كلمتها فى الإجتماع الأول للجنة المنسقين التوجيهيه لمبادرة بعنوان «المبادرة المشتركة بشأن الهجرة» (Joint Initintive on Migration)، الذي أطلقته مدرسة هيرتي للدراسات العليا في العاصمة الألمانية برلين، بالشراكة مع مؤسسة ريتشارد جير الخيرية.
وأكدت السفيرة نجم فى كلمتها أن مبادرة تغيير السرديات حول الهجرة تمثل قضية محورية تتقاطع مباشرة مع عمل المرصد الافريقي للهجرة ، مشيرة إلى أن المرصد أطلق بالفعل مبادرة داخلية تهدف إلى تحدي الروايات السائدة بشأن الهجرة الأفريقية، والتي غالبًا ما تتعارض مع الحقائق والأرقام الفعلية
وقالت مديرة المرصد الأفريقى للهجرة إن الخطاب المتداول في العديد من وسائل الإعلام والمنصات السياسية لا يعكس بدقة واقع الهجرة الأفريقية، موضحة أن تغيير السردية السائدة يمثل خطوة أساسية نحو بناء سياسات أكثر توازنًا وواقعية. وأضافت أن هذا التغيير لا ينبغي أن يقتصر على تقديم وجهة النظر الأفريقية فحسب، بل يجب أن يشمل أيضًا الأطراف الأوروبية، لأن معالجة الظاهرة بصورة شاملة تتطلب فهمًا متكاملًا للمسؤوليات والتحديات على جانبي البحر المتوسط.

وأضافت أن انخفاض أعداد القوارب المغادرة بصورة غير نظامية من بعض الدول لا يعني بالضرورة تراجع حركة الهجرة من مواطنيها، موضحة أن مسارات الهجرة تتغير باستمرار، وأن الطريق المغربي يشهد حاليًا عبور أعداد متزايدة من جنسيات مختلفة، بما في ذلك مهاجرون قادمون من دول نجحت في الحد من الهجرة غير النظامية عبر مسارات أخرى.
كما دعت إلى إيلاء اهتمام أكبر للتحولات التي تشهدها دول شمال أفريقيا، والتي لم تعد مجرد دول عبور، بل أصبحت في كثير من الحالات دول مقصد واستقرار للمهاجرين، الأمر الذي يفرض عليها تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية جديدة.
وأوضحت أن التحديات لا تقتصر على قضايا التمييز أو العنصرية تجاه المهاجرين، بل تشمل أيضًا طبيعة العلاقات والتفاعلات بين المجتمعات الأفريقية المختلفة، معتبرة أن بعض هذه الإشكاليات تعكس آثارًا تاريخية وإرثًا استعماريًا لا تزال القارة تتعامل مع تداعياته حتى اليوم.
ولفتت السفيرة الانتباه أن ظواهر مثل تهريب المهاجرين لا تقتصر على طرف واحد، بل تشمل شبكات وعوامل موجودة في الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، ما يستدعي تناول القضية بصورة أعمق وأكثر شمولًا. كما شددت على أن المعرفة المتعلقة بالأسباب الجذرية للهجرة متوافرة إلى حد كبير، إلا أن الفجوات لا تزال قائمة فيما يتعلق بالبيانات والتحليل الدقيق لأنماط الهجرة واتجاهاتها.
وركزت نجم إلى أن الأرقام العالمية تظهر أن أعداد المهاجرين الآسيويين والأوروبيين تفوق أعداد المهاجرين الأفارقة، كما أن الهجرة النظامية تتجاوز من حيث الحجم الهجرة غير النظامية، وهو ما يتناقض مع كثير من التصورات السائدة في النقاشات العامة. وأكدت أن هذه المعطيات تستدعي تحليلات ديمغرافية معمقة لفهم التحولات السكانية وتأثيراتها المستقبلية.
وأضافت أن النقاش حول الهجرة في منطقة المتوسط يرتبط أيضًا بالتغيرات الديمغرافية، حيث تواجه بعض المجتمعات الأوروبية تحديات الشيخوخة السكانية وتحتاج إلى اليد العاملة الشابة، في حين قد يؤدي استقطاب الكفاءات من الدول الأفريقية إلى تفاقم ظاهرة هجرة العقول وتأثيرها على جهود التنمية في بلدان المنشأ.
كما شددت على أهمية فهم الأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر المتوسط، رغم المخاطر الجسيمة التي تحيط بهذه الرحلات، مؤكدة ضرورة البحث عن حلول عملية تسهم في إنقاذ الأرواح ومعالجة الدوافع الحقيقية للهجرة.
وأكدت أن الدراسة المقترحة يمكن أن تقدم قيمة مضافة مهمة من خلال تناول هذه القضايا بصورة علمية قائمة على الأدلة، مشددة على أن تغيير السرديات يبدأ بإعلاء الحقائق والبيانات فوق الاعتبارات السياسية. وأضافت أن قضية الهجرة أصبحت في كثير من الأحيان أداة تُستخدم في الحملات الانتخابية والخطابات السياسية، في حين أن الأرقام والوقائع تقدم صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا.
وأشارت إلى أن توظيف البيانات الموثوقة وتعزيز جهود التواصل والإعلام يمكن أن يشكلا أساسًا متينًا لبناء سردية أكثر توازنًا وإنصافًا بشأن الهجرة على المستوى الدولي.
وأكدت السفيرة نميرة نجم أن النقاش حول الهجرة لا يمكن فصله عن أوضاع النزوح القسري الناتجة عن النزاعات المسلحة والإرهاب، مستشهدة بالأوضاع في السودان وغيرها من بؤر الأزمات في القارة الأفريقية، ومشيرة إلى أن الهجرة لا ترتبط فقط بضعف التنمية في الدول المستقرة.
وأكدت أن دراسة الأبعاد الاجتماعية لتحول دول العبور إلى دول مقصد لا تقل أهمية عن دراسة الأبعاد الاقتصادية، مشيرة إلى أن العديد من دول المنطقة، بما فيها ليبيا وتونس وأحيانًا مصر وغيرها، تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بكيفية تفاعل المجتمعات المحلية مع وجود المهاجرين واللاجئين.
واختتمت بالتأكيد على أن نجاح السياسات الحكومية في هذا المجال لا يعتمد فقط على القرارات الرسمية، بل يتطلب أيضًا قبولًا مجتمعيًا أوسع، إذ إن الترحيب الحكومي بالمهاجرين لا يعني بالضرورة قبولهم اجتماعيًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المجتمعات المضيفة، وهو ما يستدعي فهمًا أعمق لهذه التفاعلات عند صياغة السياسات المتعلقة بالهجرة .
وقالت البروفيسورة فيوليتا مورينو-لاكس، مديرة مركز الحقوق الأساسية بمدرسة هيرتي في برلين، ومنسق عام المبادرة أن المبادرة المشتركة بشأن الهجرة تمثل محاولة لإعادة صياغة النقاش الدولي حول الهجرة عبر البحر المتوسط من خلال التركيز على الأسباب العميقة التي تدفع الأفراد إلى مغادرة بلدانهم، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج الهجرة أو تشديد الرقابة على الحدود. وأوضحت أن المبادرة تنطلق من قناعة بأن السياسات السائدة خلال العقود الماضية ركزت بصورة مفرطة على البعد الأمني ومنع الهجرة غير النظامية، بينما أُهملت العوامل المرتبطة بالحوكمة والتنمية والفرص الاقتصادية وحقوق الإنسان، وهي المحركات الأساسية للهجرة بين أفريقيا وأوروبا.
وأضافت أن المبادرة تسعى إلى تغيير السردية السائدة التي تقدم المهاجرين باعتبارهم عبئاً أو تهديداً، واستبدالها برؤية أكثر شمولاً تنظر إلى الهجرة كقضية إنسانية وتنموية وسياسية معقدة تتطلب تعاوناً متكافئاً بين دول المنشأ والعبور والمقصد. وأشارت إلى أن المشروع، الذي أطلق بالشراكة بين مركز الحقوق الأساسية بمدرسة هيرتي ومؤسسة جيري برئاسة ريتشارد جير، سيعمل على مدى خمس سنوات كمنصة دولية للحوار وإنتاج المعرفة وصياغة حلول مبتكرة.
وبيّنت أن المبادرة ستعتمد على ثلاثة مسارات رئيسية تشمل إنشاء شبكة دولية للخبراء، وتنظيم حوارات استراتيجية دورية تجمع صناع القرار والباحثين والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، إضافة إلى برنامج بحثي متخصص لدراسة الأسباب العميقة للهجرة من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية. وستسهم هذه المسارات في إنتاج دراسات وأوراق سياسات وتوصيات عملية تهدف إلى تطوير سياسات أكثر فعالية وإنسانية في إدارة الهجرة.
وقالت المستشارة القانونية الاسبانية آنا بويتراجو الرئيسة والمديرة التنفيذية لمؤسسة جير الخيرية ، يسعدني أن أرى هذه المبادرة المشتركة بشأن الهجرة تُطلق رسميًا بعد أشهر عديدة من العمل المكثف والمناقشات المدروسة والتعاون الوثيق بين فرق مركز الحقوق الأساسية التابع لكلية هيرتي ومؤسسة جير ، لقد كان من دواعي الشرف المساهمة في صياغة مشروع يسعى إلى معالجة أحد التحديات الرئيسية في عصرنا من خلال البحث والحوار السياسي والتعاون الدولي.
و اكدت ان الهجرة ظاهرة عالمية معقدة تتطلب حلولًا قائمة على الأدلة وشراكات بين القطاعات والتزامًا قويًا بكرامة الإنسان. أنا متحمس لرؤية هذه المبادرة تجمع بين كبار الأكاديميين وصناع السياسات والممارسين والجهات الفاعلة في المجتمع المدني من أوروبا وأفريقيا للنهوض بنهج أكثر استنارة وفعالية وإنسانية لحوكمة الهجرة.
و اعربت عن تطلعها لرؤية التأثير الذي يمكن أن يحققه هذا التعاون.
ووقالت البروفيسورة أندريا روميله، عميدة التعليم التنفيذي وأستاذة الاتصال السياسي والمجتمع المدني بمدرسة هيرتي الألمانية أن أحد الأهداف الأساسية للمبادرة هو بناء جسور بين الرؤيتين الأفريقية والأوروبية لقضايا الهجرة، وإتاحة مساحة للحوار بين الجهات المعنية المختلفة من أجل صياغة حلول مشتركة قائمة على المصالح والمسؤوليات المتبادلة. وفي هذا السياق، يتضمن المشروع برنامجاً لإعداد القادة الأفارقة المستقبليين عبر منح أكاديمية وتدريب متخصص لطلاب الماجستير والدكتوراه في مجالات الحوكمة والسياسات العامة والهجرة وحقوق الإنسان، بما يسهم في بناء قدرات طويلة الأجل وتمكين جيل جديد من الباحثين وصناع القرار الأفارقة.
واكدت على أن نجاح المبادرة لن يقاس فقط بما تنتجه من أبحاث وتوصيات، بل بقدرتها على تغيير أنماط التفكير السائدة حول الهجرة، وتعزيز التعاون بين أفريقيا وأوروبا، والمساهمة في بناء سياسات أكثر عدالة وإنسانية وفعالية تعالج جذور الظاهرة وتحد من المعاناة الإنسانية المرتبطة بها. وأشارت إلى أن المبادرة تسعى إلى بناء شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف المعنية، تقوم على تبادل المعرفة والمسؤولية المشتركة، بما يضمن صياغة حلول مستدامة تعكس احتياجات المجتمعات المتأثرة بالهجرة وتطلعاتها، وتسهم في تحويل الهجرة من مصدر للأزمات والتوترات السياسية إلى فرصة للتنمية والتعاون وتحقيق المصالح المتبادلة بين ضفتي البحر المتوسط
وقد أدار الاجتماع الاول للجنة التوجيهية للمبادرة المشتركة بشأن الهجرة منسق عام المبادرة الاسبانية البروفيسورة فيوليتا مورينو-لاكس، مديرة مركز الحقوق الأساسية بمدرسة هيرتي الألمانية والتي تُعد من أبرز الباحثين الأوروبيين في قضايا الهجرة والحدود وحقوق الإنسان.
وقد شكلت اللجنة التنسيقية للمبادرة فى اجتماعها الاول من سبع شخصيات الدولية البارزة في مجالات القانون الدولي وحقوق الإنسان والهجرة والسياسات العامة هم السفيرة الدكتورة نميرة نجم، مدير المرصد الإفريقي للهجرة والرئيسة الفخرية للجمعية الإفريقية للقانون الدولي، والسفيرة الجامبية فاتو بنسودا،سفيرة جامبيا فى بريطانيا ، و المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب حضور باقى اعضاء اللجنة إفتراضيا عبر تطبيق زووم وهم المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، والمدير العام السابق للمنظمة الدولية للهجرة أنطونيو فيتورينو، والقاضي المالي موبيدو ساكو نائب رئيس المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والدكتورة الجزائرية مايا صالحي فاضل، نائبة رئيس اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب والمقررة الخاصة السابقة للاجئين والمهاجرين والنازحين في إفريقيا، إضافة إلى البروفيسورة تيندايي أشيومي، المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب.
والجدير بالذكر أن مدرسة هيرتي (Hertie School) هي جامعة ألمانية للدراسات العليا تقع في برلين، ومتخصصة في الحوكمة والسياسات العامة والعلاقات الدولية والقانون. وقد تأسست عام 2004 بدعم من مؤسسة هيرتي الخيرية، وتُعد من أبرز المؤسسات الأوروبية التي تجمع بين البحث الأكاديمي وصناعة السياسات العامة.
وتؤكد الجامعة أن رسالتها تتمثل في «فهم تحديات اليوم وصياغة حلول الغد»، من خلال تدريب القيادات الحكومية والدبلوماسية والبحثية وإنتاج أبحاث مرتبطة بالقضايا العالمية المعاصرة.
وقد أُطلقت المبادرة الدولية لربط الهجرة من خلال مركز الحقوق الأساسية (Centre for Fundamental Rights)، وهو مركز بحثي داخل الجامعة،ويمثل المشروع شراكة مشتركة بين مركز الحقوق الأساسية بمدرسة هيرتي ومؤسسة جير (The Gere Foundation)، وهي المؤسسة التي أسسها النجم السينمائي العالمي ريتشارد جير عام 1991، وتعمل في مجالات حقوق الإنسان، والدفاع عن الفئات الضعيفة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، والقضايا الإنسانية الدولية.
ومشروع “المبادرة المشتركة بشأن الهجرة” (Joint Initiative on Migration)، هو مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل النقاشات المتعلقة بسياسات الهجرة في أوروبا وأفريقيا، والانتقال من السرديات السلبية القائمة على الخوف والردع إلى مقاربة تستند إلى الحقائق والبيانات والكرامة الإنسانية.
وتسعى المبادرة إلى معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، بما في ذلك الفقر والنزاعات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان والتغيرات المناخية والاختلالات الاقتصادية والديموغرافية، مع التركيز على بناء سياسات قائمة على الأدلة العلمية بدلاً من التصورات النمطية والخطابات الشعبوية.
كما تهدف المبادرة إلى إبراز الإسهامات الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين في المجتمعات المستقبلة، وتعزيز التعاون بين أفريقيا وأوروبا في إدارة قضايا الهجرة والتنقل البشري، فضلاً عن إشراك المهاجرين أنفسهم في صياغة السياسات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
وتنطلق المبادرة من قناعة بأن الهجرة ظاهرة إنسانية وطبيعية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة دائمة أو تهديداً أمنياً، بل باعتبارها قضية عالمية تتطلب حلولاً عادلة ومستدامة تستند إلى التعاون الدولي واحترام حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المشتركة .



