أسعد زهيو يتحدث عن مشاركته في الحوار المهيكل برعاية الأمم المتحدة
في يوم 8 يونيو، 2026 | بتوقيت 1:40 ص
عزالعرب الجهمي
بمناسبة اختتام أعمال الحوار المُهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
كتب أستاذ القانون الدولي والباحث السياسي أسعد زهيو تقييما عن مشاركته في هذا الحوار قائلا :
بمناسبة اختتام أعمال الحوار الذي تشرّفت بالمشاركة فيه كعضو على مدى ما يقارب الستة أشهر الماضية منذ انطلاقه في ديسمبر من العام المنصرم، يطيب لي أن أشارك أبناء وطني وجميع المهتمين بالشأن العام قراءةً موضوعيةً رصينةً ومباشرةً تتجاوز الانطباعات السطحية لتلامس جوهر هذه التجربة الوطنية الفريدة، ومن ثمّ فإن الوقوف على المخرجات الحقيقية لهذا المسار يمثّل التزاماً أخلاقياً وسياسياً يتطلب لغةً تبتعد عن المزايدات وتتوخى الدقة والمصارحة.
ولما كان هذا الحوار قد أسدل ستاره اليوم في العاصمة طرابلس بحضور محلي ودبلوماسي واسع، فإنني أنطلق في تقييمي هذا من منطلق المسؤولية الوطنية التشاركية، باعتبار أن التجربة في مجملها كانت محطةً إيجابيةً ومثمرةً للغاية، وفرت فضاءً حيوياً للنقاش المعمق وسمحت لنا ببلورة رؤى ناضجة ومتكاملة، فضلاً عما أتاحته من فرص ثمينة للتعرف والتعامل الوثيق مع نخب وشخصيات وطنية خيرة، جمعنا معهم حب هذا البلد والحرص المطلق على تحقيق مصلحته العليا بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو جهوية مسبقة.

ومن هذا المنطلق، وبدل أن ننساق وراء الأسئلة التقليدية المُحبطة التي يطرحها عادةً المشككون أو الواقفون على رصيف الانتظار السلبي حول مآلات هذه المخرجات وما إذا كانت ستجد طريقها للتنفيذ الفوري، فإننا نتمسك بسردية وطنية صلبة وواعية قوامها أننا كأعضاء ليبيين يهمنا بالدرجة الأولى إنقاذ بلادنا وحمايتها، قد أدينا واجبنا المنوط بنا على أكمل وجه عبر تقديم رؤية ناضجة بجميع المقاييس وبكل ما تعنيه الكلمة من نضوج عملي وعلمي، حيث شملت هذه الرؤية معالجات دقيقة للمسارات الأربعة الأساسية للحوار وهي المسار الاقتصادي، ومسار الحوكمة، ومسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المسار الأمني، للعمل على تهيئة البيئة الانتخابية الشاملة.
وباعتبار أن مخرجات هذه النقاشات الطويلة والمستفيضة قد أصبحت اليوم وثيقة مرجعية متكاملة ومتاحة للجميع، فإن الاستفادة من هذا الجهد الوطني المبذول كفلسفة للحل أو كخارطة طريق للمستقبل تظل مسألة منوطة بالبعثة الأممية وبالأطراف السياسية التنفيذية، ولسنا نحن المسؤولين عن مآلات هذا المشروع أو مدى التزام الأطراف الأخرى به، بقدر ما نحن مسؤولون ومحاسبون أمام ضمائرنا وشعبنا على ما قدمناه من جهد وفكر وعطاء حقيقي، وهو الأمر الذي يجعلنا نشعر برضا تام وقناعة راسخة بما تم تحقيقه وإنجازه لصالح الوطن.
ولأجل إضاءة الرأي العام وإمداد وسائل الإعلام ومراكز صنع القرار بالحقائق والأرقام الدقيقة التي تبرز حجم وعمق هذا العمل، فإن الحوار المُهيكل قد ضم في قوامه مائةً وأربعةً وعشرين عضواً وعضوةً يمثلون كافة الجغرافية الليبية والمكونات الليبية من شرق البلاد وغربها وجنوبها، ناهيك عن كونه حظي بإشراك مجتمعي واسع النطاق شمل استطلاع آراء أكثر من عشرة آلاف وأربعمائة مواطن ومواطنة، بالإضافة إلى منصة رقمية ضمت ما يزيد عن ثلاثة آلاف ومائتي شاب وشابة لضمان اتساع دائرة الملكية الليبية للمخرجات، ومن ثَمّ، فقد أفضت هذه المئات من الساعات النقاشية إلى توافقات صلبة وجوهرية حول قضايا طالما كانت محل نزاع، حيث اتفق الأعضاء بالإجماع على ضرورة تشكيل حكومة جديدة موحدة وقوية تشرف مباشرة على الانتقال نحو الانتخابات في إطار المسارات الأربعة، وتوحيد كافة مؤسسات الدولة السيادية والخدمية، مع إعادة النظر الشامل في المناصب السيادية وفق معايير الكفاءة والنزاهة، علاوةً على تهيئة الظروف الأمنية واللوجستية والتشريعية لإجراء انتخابات رئيسية وبرلمانية متزامنة تعيد الأمانة والشعبية للمؤسسات التشريعية والتنفيذية، داحضةً بذلك كل المحاولات الفئوية التي تسوق لإجراء انتخابات برلمانية مجزأة أو منفصلة لا تلبي تطلعات الاستقرار الشامل.
وعلى الرغم من هذا الإنجاز الجماعي الكبير، فإنه من المؤسف حقاً، وربما من المتوقع في سياق المناكفات السياسية، أن نرى بعض الزملاء المتحفظين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة من أصل مائة وأربعة وعشرين عضواً، قد ملؤوا الدنيا ضجيجاً وصخباً بحديث واهٍ يزعم أن المخرجات قد شابتها عيوب أو أنها تمس بمبدأ السيادة الوطنية، وهو زعم داحض ومردود على أصحابه تماماً؛ إذ يتساءل المرء باستهجان موضوعي، أين كان هذا الحديث المستفيض عن السيادة الوطنية عندما قبل هؤلاء أنفسهم بالمشاركة والانخراط في هذا الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ البداية، ولماذا لم نسمع هذه الأصوات والتحفظات السيادية طيلة الأشهر الستة الماضية، ولم تظهر فجأة إلا في اليوم الختامي على هيئة استعراضات إعلامية زائفة ومواقف بطولية متأخرة لا تخدم مصلحة الوطن بقدر ما تبحث عن التموضع الشخصي؟
إن اختيار آخر يوم في عمر الحوار لإعلان مثل هذه المواقف لا يعبر إطلاقاً عن شجاعة أدبية أو سياسية، بل هو استغلال سياسي بشع وغير اخلاقي لموقف ختامي جامع، ومحاولة بائسة لتسليط الأضواء على الذات عبر التشكيك في جهد جماعي مضنٍ شارك فيه عشرات الوطنيين بكل إخلاص.
وفي ذات السياق الموضوعي، وجب التوضيح والرد على ادعاء أحد هؤلاء الأعضاء بأن البعثة الأممية قد استبعدت تصوراً خاصاً به زاعماً أنه حظي بقبول ورضا أغلبية الأعضاء وأن قوى دولية تدخلت لإقصائه، وهي سردية غير حقيقية وتفتقر لأدنى درجات المصداقية؛ إذ إن حقيقة الأمر تؤكد أن المشروع المذكور قُدّم كحالة فردية معزولة ولم يحظَ بتأييد أو توقيع حتى ثلاثة أعضاء طيلة ستة أشهر كاملة من الحوار والنقاش المستمر، وهو ما يعكس بوضوح إما عدم قدرة صاحب المقترح على إيصال فكرته وإقناع زملائه بها، أو أن الفكرة في حد ذاتها كانت غير مقنعة أو غير واقعية ولا تتماشى مع المصلحة الوطنية العليا المشتركة، وباعتبار أن الآراء الفردية التي لا ترتقي لمستوى الإجماع أو التوافق العام لا يمكن بأي حال من الأحوال تضمينها في المخرجات الجماعية، فإن الحديث عن استبعاد الرؤى بفعل فاعل خارجي هو تضخيم وتزييف للواقع، فلا يمكن اعتبار عدم تبني المقترحات الفردية الضعيفة إقصاءً، بل هو نتاج طبيعي للممارسة الديمقراطية والتوافقية داخل قاعات الحوار.
ختاماً، أتوجه بكل الشكر والتقدير لزملائي الأفاضل الذين أثبتوا طيلة هذا المسار وعياً سياسياً رفيعاً وعزيمةً لا تلين، مؤكداً أن ما قدمناه يمثل وثيقة إنقاذ حقيقية ومكتملة الأركان، ستظل منارة وشاهداً على قدرة الليبيين على التوافق متى ما خلصت النوايا وعلت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، والشكر موصول لفريق البعثة الأممية على تيسير جلسات الحوار طيلة هذه الأشهر.



